مجمع البحوث الاسلامية
362
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وإذ كان هذا القول منهم متضمّنا لنفي رسالته ، وسندهم في ذلك أنّه بشر ، لا أثر ظاهر معه يدلّ على الرّسالة والاتّصال بالغيب ، كان من الواجب تنبيههم على ما يظهر به صدقه في دعوى الرّسالة ، وهو « الآية المعجزة » الدّالّة على صدق الرّسول في دعوى الرّسالة . فإنّ الرّسالة نوع من الاتّصال بالغيب خارق للعادة الجارية ، لا طريق إلى العلم بتحقّقه إلّا بوقوع أمر غيبيّ آخر خارق للعادة ، يوقن به كون الرّسول صادقا في دعواه الرّسالة ، ولذلك أشار عليه السّلام بقوله : يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ، إلى أنّ معه بيّنة من اللّه ، وآية معجزة تدلّ على صدقه في دعواه . ومن هنا يظهر أنّ المراد بالبيّنة : الآية المعجزة الّتي تدلّ على ثبوت الرّسالة ، لأنّ ذلك هو الّذي يعطيه السّياق ، فلا يعبأ بما ذكره بعض المفسّرين : أنّ المراد بالبيّنة في الآية : العلم الضّروريّ الّذي يعلم به النّبيّ أنّه نبيّ ، وذلك لكونه معنى أجنبيّا عن السّياق . ( 10 : 205 ) وقد ذكر المفسّرون هنا في معنى كلمة ( بيّنة ) : الحجّة ، والثّقة والنّبوّة ، والرّسالة ، تركناها حذرا من التّكرار 9 - وَقالُوا لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَ وَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى . طه : 133 مجاهد : التّوراة والإنجيل . ( الطّبريّ 16 : 237 ) قتادة : الكتب الّتي خلت من الأمم الّتي يمشون في مساكنهم . ( الطّبريّ 16 : 237 ) الطّبريّ : أو لم يأتهم بيان ما في الكتب الّتي قبل هذا الكتاب ، من أنباء الأمم من قبلهم ، الّتي أهلكناهم لمّا سألوا الآيات ، فكفروا بها لمّا أتتهم ، كيف عجّلنا لهم العذاب ، وأنزلنا بأسنا بكفرهم بها ، ويقول : فماذا يؤمنهم إن أتتهم الآية ، أن يكون حالهم حال أولئك . ( 16 : 237 ) نحوه الطّبرسيّ ( 4 : 37 ) ، وابن الجوزيّ ( 5 : 336 ) . الفخر الرّازيّ : فيه وجوه : أحدها : أنّ ما في القرآن إذا وافق ما في كتبهم ، مع أنّ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم لم يشتغل بالدّراسة والتّعلّم ، وما رأى أستاذا ألبتّة ، كان ذلك إخبارا عن الغيب ، فيكون معجزا . وثانيها : أنّ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى : ما فيها من البشارة بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم وبنبوّته وبعثته . ثالثها : [ ما تقدّم عن الطّبريّ ] ( 22 : 137 ) أبو حيّان : وَقالُوا لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ ، هذه عادتهم في اقتراح الآيات ، كأنّهم جعلوا ما ظهر من الآيات ليس بآيات ، فاقترحوا هم ما يختارون على ديدنهم في التّعنّت ، فأجيبوا بقوله : أَ وَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى أي القرآن الّذي سبق التّبشير به ، وبإيحائي من الرّسل به ، في الكتب الإلهيّة السّابقة المنزلة على الرّسل ، والقرآن أعظم الآيات في الإعجاز ، وهي الآية الباقية إلى يوم القيامة . وفي هذا الاستفهام توبيخ لهم . ( 6 : 292 ) أبو السّعود : أي التّوراة والإنجيل وسائر الكتب السّماويّة ، ردّ من جهته عزّ وعلا لمقالتهم القبيحة ، وتكذيب لهم فيما دسّوا تحتها من إنكار مجيء الآية ، بإتيان القرآن الكريم ، الّذي هو أمّ الآيات ، وأسّ المعجزات وأعظمها وأبقاها ، لأنّ حقيقة المعجزة : اختصاص مدّعي النّبوّة بنوع من الأمور الخارقة